إنّ قراءة النّص يعني قراءة مجموعة من الدلالات التي تفرزها مكوناته الخارجية و الداخلية ، فما تقتضيه علاقة التجاور و التجاوز إنّما احتكاك فرضيات و محددات اختارها القاص بقصدية ذاتية و موضوعية ، و لعل الموقف الذي يبديه كسارد يتوقف نجاحه على مدى مهارته الأدبية و الفنية في مختلف المستويات ، الواقعية و التخييلية يرتبط أساسا بالمتلقي كمستهدف جوهري ، لأنّ السارد يبحث عنه في مختلف المواضع و الوضعيات حتى الملتبس منها ، و من هنا يمكن أن يحقق رسالته في إثارته و استفزازه و إشراكه فيما يريد أن يثيره من أفكار و انفعالات و صدامات و اصطدامات فاعلة و إيجابية .
كثير منها يجمع بين الجدّية و السخرية في لفت الانتباه لها و معارضتها ، و القضية التي تستوقفه في المجتمع أو في السياسة أو في أي مجال من مجالات الحياة و ما أكثرها تصبح بالنسبة له الفلك الذي تدور في فضائه مختلف القضايا الجزئية و الأساسية ، مساعدة على تراكمها أو تشجيعها ، ما يلفت الانتباه حقيقة في عالم السرد اهتمام الأدباء و الروائيين بمعالجة القضايا بأساليب مختلفة و متناقضة في كثير من المناسبات ، روائي خبير بحجم الطاهر وطار يدرك تماما ما معنى طرق قضية سياسية أو اجتماعية و معالجتها لا يعني طرح إشكال و انتهى بقدر ما يحمل من دلالات قوية و شفرات تستوقف المتلقي لفكها و الوقوف عندها مليا و التنقيب عن دلالات رمزيتها في تفاصيل الأحداث و الشخصيات ، و اختيارها يقتضي دراية متنوعة بالسلوك و التفكير و منطق الأشياء لدى الأفراد و الجماعات ، لقد تعلمنا في كتبه الروائي الطاهر وطار كونه جريئا في مواجهة القضية مهما كانت حساسيتها أو أبعادها ، و ما نلاحظه في القصة التي بين أيدينا تعلمنا طرحا جديدا في ملامسة حيثيات السياسة بمختلف علاقاتها ، و هنا استوقفتني جملة من الملاحظات التي لم أقف عندها في إنجازاته الإبداعية و إن كانت لا تخلو من سخرية عميقة في تعاطيه لقضايا الذات و الموضوع ،الفردية و الجماعية متخذا أساليب المعارضة و الرفض و أسلوب السخرية المعياربة أو النموذج التراثي مدخلا أساسيا في التعبير عن موقف يستحق السخرية منه و فضحه في أشكال مختلفة كما يفعل الرسام الكاريكاتوري ، والأدب الساخر أدب عالمي لا يخلو منه تراث أمة حيّة.. فالإنسان أينما كان يعالج نواقصه عندما يسخر منها… وكثيرون من الناس يؤمن أن السخرية إحدى الطرق لتغيير الواقع، أو هي أحد أشكال المقاومة، والأدب الساخر لا يقصد الإضحاك فقط بل له أهداف وغايات من أهمها:
الحفاظ على قيم المجتمع العليا،
تكريس السلوك القويم،
تعديل مجرى اتجاه متطرف..
لأن السخرية تهاجم دائماً التصلب في الفكر والطبع والسلوك ساعية لجعل طباع المجتمع أكثر مرونة كما أن السخرية تترجم حالة روحية حين تنحرف القيم ويسود الزيف(01).
و من هنا نبحث عن السخرية المعيارية في آخر ما أبدع القاص الطاهر وطار في قصة (محضر جلسة جامعة الدول العربية الأخيرة الزعبطيطية)
رفض الواقع السياسي العربي و العالمي و السخرية من مواقف العالم من نفسه و هي مفارقة أثارت حفيظة السارد في تلقي الظاهرة و التعبير عن موقفه المعارض ، و المسرود في هذا النّص يعكس الوجه الجديد و الحلة المتطفلة لدى الشعوب المستضعفة و على رأسها العالم العربي ، نكتشف في طريقة السارد أسلوب النقد الكاريكاتوري ، يمزج فيها بين :
السخرية باللون
السخرية بالمكان
السخرية باللغة والصوت
و هذا النّص ينم عن نضج إذ الكثير من لقطات أبي العلاء المعري الساخرة تستند إلى آلية المفارقة اللغوية التي تجعل العلاقة بين الدلالة المباشرة والدلالة المنزاحة علاقة قائمة على التقابل الدلالي لأن بنية السخرية تتحقق بوجود دال ومدلولين يكون الأول مباشراً ويكون الثاني ضمنياً… يكون المدلول الأول حرفياً وظاهراً بينما يكون المدلول الثاني قصدياً وضمنياً ولا بد والحال كذلك لكي تحقق السخرية الهدف منها على مستوى الكتابة.. لا بد من تفاعل العنصرين: الكاتب والمتلقي لأن السخرية تحضر في النص من خلال مؤشرات وقرائن فقط يأتي بعد ذلك دور المتلقي في تشييدها لتصبح محققة(02)… و المرجع الذي استند إليه القاص في المستويات التي ذكرناها تتحقق في هذا المسرود الساخر على أوجه مختلفة :
السخرية باللون :
البداية التفكير في إيجاد حل لعقدة مزمنة طالما عانى منها مجتمع العالم بما فيه المتقدم الذي ينظر إلى المتأخر في صورة حقيرة ، إذ ارتبطت نهاية العالم الحالم بالنتيجة التي انتظرها الغرب عموما و الأمريكان بشكل خاص على اعتبار الحقيقة التي ينبغي ألا يختلف حولها العالم ، استعمال السارد لكلمة (حتى) لها دلالتها الغيبية في حين تعكس التصور الحقيقي للمنتظر في القريب أو البعيد ، و احتمال تجلي المجهول …((حتى قبل أن تظهر النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية الأمريكية ))، و القرينة الثانية التي أثارها السارد في تحديد الوضعية الحقيقية للصراع القائم بين القطب المزعوم و العدو الموهوم الذي أنشأه الغرب عموما و الأمريكي خصوصا ((وجد قادة الدول الزعبطيطية ، أنفسهم ، و لأول مرة في قمة مكتملة النصاب ، و لأول مرة بدون تحضيرات مسبقة تكثر فيها الشروط و المساومات ، و التنازلات ، و بعض أو كثير الغيابات.)) استعماله لكلمة (الزعبطيطية)
((فوجئت الصحافية الزعبطيطية و العالمية ، بهذه السرعة النادرة في ردود أفعال الزعابطيط،و بينما قالت الصحافية الزعابطيطية ،)) و هذا التوجه المفاجئ يثير فضول المتلقي بحدة و يجعله يتساءل في كل مرة ، و يتغير بل تتجدد وظيفتها من حيث تكوين جزئي للصورة الطبيعية التي طبع بها الآخر في كنف سياسة فجة غامضة ، تعتمد التسرع و التخوف و التحدي السلبي ((إنّ المسألة و ما فيها ، " بعض" الضرر الذي لحق أسعار البترول ، و الذي مسّ أكثر ما مسّ ، نمط حياة القادة الميامين ، و بصفة خاصة ، نمط تسوق سيدات الزعاببطيط الأولى ، ليس بسبب شح ذات اليد ، حاشا لله ، و ليس بسبب ، تضاعف أسعار الملبوسات و المجوهرات ، حاشا لله ،فخير ربنا ما يزال وفيرا ، و الحمد لله.)) و الدور لم تلعبه الزعبطيطية ، و التي وظفها السارد في خيثية ساخرة تجعل المتلقي يتفقد ذاته و يحاول من جهته أن يصحح كثيرا من المفاهيم التي لم يسطع ذوي القوة و النفوذ إليها بذكاء ، و استعملوا بدلا من ذلك القوة السلبية ، و المستوى الذي لم يدركه الساسة على مستويات رفيعة ، هو المغالطات التي تلجأ إليها الصحافة ((إنّما ، و هذا ما أبرزته الصحف الزعبطيطية بعناوين غليظة ،و على صفحاتها الأولى ، بعبارات تكاد تكون واحدة …السيّدات الزعبطيطيات محل سخرية ، في أسواق باريس و لندن … مردّ ذلك ، أنّهنّ لا يشعرن بالفارق في الأسعار برين الأمس و اليوم .)) و على مستوى ليس بالبسيط في نظر السارد اقتراب دلالات الأشياء لدى كثير من فئات المجتمع و إن كانت مقوماته الفكرية و مؤهلاته الإعلامية غير كافية جعلته يتحفز لمعرفة الحقيقة ك

















