ليست الكلمة مجرد معنى ، إنما صوت مدو قد لا يسمعه جميع الناس

http://www.echoroukonline.com/ara/thumbnail.php?file=article_gallery/sport/EQUIPE_NATIONAL_670388756.jpg&size=article_mediumimage


السخرية المعيارية في قصة (محضر جلسة جامعة الدول العربية الزعبطيطية الأخيرة)*للطاهر وطار

يونيو 11th, 2009 كتبها السعيد موفقي نشر في , دراسات أدبية و نقد

إنّ قراءة النّص يعني قراءة مجموعة من الدلالات التي تفرزها مكوناته الخارجية و الداخلية ، فما تقتضيه علاقة التجاور و التجاوز إنّما احتكاك فرضيات و محددات اختارها القاص بقصدية ذاتية و موضوعية ، و لعل الموقف الذي يبديه كسارد يتوقف نجاحه على مدى مهارته الأدبية و الفنية في مختلف المستويات ، الواقعية و التخييلية يرتبط أساسا بالمتلقي كمستهدف جوهري ، لأنّ السارد يبحث عنه في مختلف المواضع و الوضعيات حتى الملتبس منها ، و من هنا يمكن أن يحقق رسالته في إثارته و استفزازه و إشراكه فيما يريد أن يثيره من أفكار و انفعالات و صدامات و اصطدامات فاعلة و إيجابية .
كثير منها يجمع بين الجدّية و السخرية في لفت الانتباه لها و معارضتها ، و القضية التي تستوقفه في المجتمع أو في السياسة أو في أي مجال من مجالات الحياة و ما أكثرها تصبح بالنسبة له الفلك الذي تدور في فضائه مختلف القضايا الجزئية و الأساسية ، مساعدة على تراكمها أو تشجيعها ، ما يلفت الانتباه حقيقة في عالم السرد اهتمام الأدباء و الروائيين بمعالجة القضايا بأساليب مختلفة و متناقضة في كثير من المناسبات ، روائي خبير بحجم الطاهر وطار يدرك تماما ما معنى طرق قضية سياسية أو اجتماعية و معالجتها لا يعني طرح إشكال و انتهى بقدر ما يحمل من دلالات قوية و شفرات تستوقف المتلقي لفكها و الوقوف عندها مليا و التنقيب عن دلالات رمزيتها في تفاصيل الأحداث و الشخصيات ، و اختيارها يقتضي دراية متنوعة بالسلوك و التفكير و منطق الأشياء لدى الأفراد و الجماعات ، لقد تعلمنا في كتبه الروائي الطاهر وطار كونه جريئا في مواجهة القضية مهما كانت حساسيتها أو أبعادها ، و ما نلاحظه في القصة التي بين أيدينا تعلمنا طرحا جديدا في ملامسة حيثيات السياسة بمختلف علاقاتها ، و هنا استوقفتني جملة من الملاحظات التي لم أقف عندها في إنجازاته الإبداعية و إن كانت لا تخلو من سخرية عميقة في تعاطيه لقضايا الذات و الموضوع ،الفردية و الجماعية متخذا أساليب المعارضة و الرفض و أسلوب السخرية المعياربة أو النموذج التراثي مدخلا أساسيا في التعبير عن موقف يستحق السخرية منه و فضحه في أشكال مختلفة كما يفعل الرسام الكاريكاتوري ، والأدب الساخر أدب عالمي لا يخلو منه تراث أمة حيّة.. فالإنسان أينما كان يعالج نواقصه عندما يسخر منها… وكثيرون من الناس يؤمن أن السخرية إحدى الطرق لتغيير الواقع، أو هي أحد أشكال المقاومة، والأدب الساخر لا يقصد الإضحاك فقط بل له أهداف وغايات من أهمها: 
الحفاظ على قيم المجتمع العليا، 
تكريس السلوك القويم، 
تعديل مجرى اتجاه متطرف..
لأن السخرية تهاجم دائماً التصلب في الفكر والطبع والسلوك ساعية لجعل طباع المجتمع أكثر مرونة كما أن السخرية تترجم حالة روحية حين تنحرف القيم ويسود الزيف(01). 
و من هنا نبحث عن السخرية المعيارية في آخر ما أبدع القاص الطاهر وطار في قصة (محضر جلسة جامعة الدول العربية الأخيرة الزعبطيطية)
رفض الواقع السياسي العربي و العالمي و السخرية من مواقف العالم من نفسه و هي مفارقة أثارت حفيظة السارد في تلقي الظاهرة و التعبير عن موقفه المعارض ، و المسرود في هذا النّص يعكس الوجه الجديد و الحلة المتطفلة لدى الشعوب المستضعفة و على رأسها العالم العربي ، نكتشف في طريقة السارد أسلوب النقد الكاريكاتوري ، يمزج فيها بين :
السخرية باللون
السخرية بالمكان
السخرية باللغة والصوت
و هذا النّص ينم عن نضج إذ الكثير من لقطات أبي العلاء المعري الساخرة تستند إلى آلية المفارقة اللغوية التي تجعل العلاقة بين الدلالة المباشرة والدلالة المنزاحة علاقة قائمة على التقابل الدلالي لأن بنية السخرية تتحقق بوجود دال ومدلولين يكون الأول مباشراً ويكون الثاني ضمنياً… يكون المدلول الأول حرفياً وظاهراً بينما يكون المدلول الثاني قصدياً وضمنياً ولا بد والحال كذلك لكي تحقق السخرية الهدف منها على مستوى الكتابة.. لا بد من تفاعل العنصرين: الكاتب والمتلقي لأن السخرية تحضر في النص من خلال مؤشرات وقرائن فقط يأتي بعد ذلك دور المتلقي في تشييدها لتصبح محققة(02)… و المرجع الذي استند إليه القاص في المستويات التي ذكرناها تتحقق في هذا المسرود الساخر على أوجه مختلفة :
السخرية باللون :
البداية التفكير في إيجاد حل لعقدة مزمنة طالما عانى منها مجتمع العالم بما فيه المتقدم الذي ينظر إلى المتأخر في صورة حقيرة ، إذ ارتبطت نهاية العالم الحالم بالنتيجة التي انتظرها الغرب عموما و الأمريكان بشكل خاص على اعتبار الحقيقة التي ينبغي ألا يختلف حولها العالم ، استعمال السارد لكلمة (حتى) لها دلالتها الغيبية في حين تعكس التصور الحقيقي للمنتظر في القريب أو البعيد ، و احتمال تجلي المجهول …((حتى قبل أن تظهر النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية الأمريكية ))، و القرينة الثانية التي أثارها السارد في تحديد الوضعية الحقيقية للصراع القائم بين القطب المزعوم و العدو الموهوم الذي أنشأه الغرب عموما و الأمريكي خصوصا ((وجد قادة الدول الزعبطيطية ، أنفسهم ، و لأول مرة في قمة مكتملة النصاب ، و لأول مرة بدون تحضيرات مسبقة تكثر فيها الشروط و المساومات ، و التنازلات ، و بعض أو كثير الغيابات.)) استعماله لكلمة (الزعبطيطية)
((فوجئت الصحافية الزعبطيطية و العالمية ، بهذه السرعة النادرة في ردود أفعال الزعابطيط،و بينما قالت الصحافية الزعابطيطية ،)) و هذا التوجه المفاجئ يثير فضول المتلقي بحدة و يجعله يتساءل في كل مرة ، و يتغير بل تتجدد وظيفتها من حيث تكوين جزئي للصورة الطبيعية التي طبع بها الآخر في كنف سياسة فجة غامضة ، تعتمد التسرع و التخوف و التحدي السلبي ((إنّ المسألة و ما فيها ، " بعض" الضرر الذي لحق أسعار البترول ، و الذي مسّ أكثر ما مسّ ، نمط حياة القادة الميامين ، و بصفة خاصة ، نمط تسوق سيدات الزعاببطيط الأولى ، ليس بسبب شح ذات اليد ، حاشا لله ، و ليس بسبب ، تضاعف أسعار الملبوسات و المجوهرات ، حاشا لله ،فخير ربنا ما يزال وفيرا ، و الحمد لله.)) و الدور لم تلعبه الزعبطيطية ، و التي وظفها السارد في خيثية ساخرة تجعل المتلقي يتفقد ذاته و يحاول من جهته أن يصحح كثيرا من المفاهيم التي لم يسطع ذوي القوة و النفوذ إليها بذكاء ، و استعملوا بدلا من ذلك القوة السلبية ، و المستوى الذي لم يدركه الساسة على مستويات رفيعة ، هو المغالطات التي تلجأ إليها الصحافة ((إنّما ، و هذا ما أبرزته الصحف الزعبطيطية بعناوين غليظة ،و على صفحاتها الأولى ، بعبارات تكاد تكون واحدة …السيّدات الزعبطيطيات محل سخرية ، في أسواق باريس و لندن … مردّ ذلك ، أنّهنّ لا يشعرن بالفارق في الأسعار برين الأمس و اليوم .)) و على مستوى ليس بالبسيط في نظر السارد اقتراب دلالات الأشياء لدى كثير من فئات المجتمع و إن كانت مقوماته الفكرية و مؤهلاته الإعلامية غير كافية جعلته يتحفز لمعرفة الحقيقة ك

المزيد


امتدادات الذات في قصيدة ” سليمان”لـ الشاعر سليمان جوادي

مايو 7th, 2009 كتبها السعيد موفقي نشر في , دراسات أدبية و نقد

 

قال سليمان / ديوان شعر / سليمان جوادي

 

امتدادات الذات في قصيدة

" سليمان"(1)

لـ الشاعر سليمان جوادي

 

إنّ استحضار صورة شيء ما ، قد لا يعني بالضرورة استكمال الشيء في مكوناته الذاتية ، و من الصعوبة بما كان أن يدّعي العقل أو الخيال الإحاطة بالمرتكزات التي تساعد على الاستحواذ بمختلف مستوياته ،  المعنوية و الذاتية ، و من هنا فالنّص مهما كانت مستوياته هو الآخر يظل عالقا بجملة من الارتباطات الداخلية و الخارجية كونه "مدونة حدث كلامي ذي وظائف متعددة "(2)

يجمعها تواصل مفارق كثيرا ما يعللها الحنين إلى الماضي و تذكر الطفولة أو الشباب أو الكهولة أو الشيخوخة أو الأصدقاء ،و مختلف العلاقات التي ترابطت نتيجة تفاعلات و انفعالات ، استظهرتها مثيرات اختلاف المكان و الزمان و تشابه العلاقات و تطابق المفارقات و التأثر و التأثير في مراحل كثيرة متعاقبة ، هذه الصور و غيرها تتزاحم في قصيدة "قال سليمان" هي رحلة بحث افتراضية و إن كانت وقائعها كانت يوما ما حقيقية  تلبست مع رهانات الذات و ارتباطاتها المتجددة  :

أفتش عن غير وجهي

لألقي الأحبة مبتسما

مثلما عهدوني

أفتش عن غير ثغري

لألقي التحية دون ارتباك

أفتش عن غير كفي

لأضغط عن كفهم جيدا

ولأحضنهم جيدا

و لأدخلهم في بقاياي

أنشرهم في دمائي

إنّ الصورة التي يبحث عنها الشاعر تمتدّ أجزاؤها إلى اتجاهات  مختلفة بدءا بصورة الوجه و تكرار فعل (أفتّش) ، الذي يستمر مع رحلة البحث ، في مختلف دلالاته الجزئية و الكلية ، تتحول العملية إلى ذات مفقودة تحاول أخرى لملمتها تحت تأثير الاندفاع و التحرّك تجاه مختلف أنظمة الذات الأخرى (أفتش …وجهي ، أفتش ….ثغري ، أفتش…. كفي) ، فهذا التداعي و التتالي مقصود في ذاته ، يجمل دلالة الإصرار و ثقل المحنة و متعة التصور و لهفة تحقيق الذات في الآخر(أنشرهم في دمائي) ، و في هذه الصورة يدرك الشاعر تماما بأنّه أمام مرآة ذاته التي لم يستوعب أجزاءها الحقيقية و لم يرضه حاله و استكانة الذات و تخاذل الأحلام ، مبررات كثيرة اختلقها ليعطي نموذجا جديدا لصورة طبيعية طالما افتقدها في واقعه و لم يلتمسها في ذاته ، سليمان ثان ، المفقود الذي يشعر بالسعادة:

أفتش عن رجل

غير هذا الذي يسكن الحزن فيه ليسكنني

فيسر الأحبة عند لقائي

أفتش عنك سليمان

يا رجلا ضيّعته المدينة

و المشكلات الصغيرة و الحب

الإحالة على التاريخ مثل ابن دراج و ابن عبدون و الرندي(3)

إنّ كثرة أساليب النّداء بعد هذا العناء و استمرار رحلة البحث تعني الصوت المتكرر و المتقطّع لعوامل قاهرة ، افتقاد مصادر الضوء يعني وجود الظلام ، و هاهنا يتحرى الشاعر الحقيقة حتى و إن لامسها هذا الظلام و باغتها ظلم المدينة و سخط الطبيعة ، هذا النّداء ليس حقيقيا ، خطاب للبعيد المفترض ، نداء للذات و المكان و النفس:

أفتش عنك سليمان

يا باقة من ضياء تلاشت

و يا فرحة في قلوب العذارى تداعت

 و يا وطنا كان يؤوي الجميع

 و لكنّه حين قيل انتهى

فما يعره الجميع التفاتة

مختلف الصيغ التي اختارها في هذا المقطع لها دلالة ذاتية ، بعد الإفراد (و لكنّه…) ثم الجمع (فما يعره الجميع التفاتة ) ، و هي عملية انتقال ذكية في إلقاء اللائمة على الذات من خلال الآخرين ، ففظاعة الموقف و تداخل الصور التي استحضرها الشاعر ، تتداول المغايرة للذات التائهة (سليمان) ، (يا رجلا) ، و الاستغراق الزمني في الذات (قبل بضع سنين) ، هذه المتتالية الذاتية الزمانية و المكانية اختارها الشاعر بقصد محاصرة الانفلات النفسي و من ثم الامتداد عبر أيقونة التراجع التي تصورها الشاعر كمدخل ثابت لن يتغير في مختلف المراحل ، و من الواضح أنّ أيقونية الكتابة تعتمد الآليات التمطيطية  و جوهر هذا المستوى (أي علاقة المشابهة مع واقع العالم الخارجي) (3)

فما أفظع الناس في عصرنا

و أحد الشماتة

سليمان

يا رجلا كان يسكنني

قبل بضع سنين

و من أبعاد علاقات المشابهة  لجوء الشاعر إلى المفارقة الانفعالية ، لأنّ حضور الذات اتكأ على تفعيل الحزن و ادّعاء السعادة ، و هذا في الحقيقة هروب مبرر ، تخلّص به الشاعر من تفاصيل الذات الغائرة في تصورات أكثر

المزيد


استراتيجية خطاب العتبات في رواية “شرفات بحر الشمال” مقاربة سيميائية

مارس 28th, 2009 كتبها السعيد موفقي نشر في , دراسات أدبية و نقد

استراتيجية خطاب العتبات 
في رواية (شرفات بحر الشمال)

لـ د. واسيني الأعرج
مقاربة سيميائية

مدخل

إنّ محددات النّص السردي لا يمكن أن تتقارب بتجاور الأحداث و تعاقب الشخوص، بقدر ما تمليها جملة من المكونات الذاتية بدءا بالكتاب الذي يرسم خطاطة دلالية لسير العلاقات و تفجير كثير من مغامض الأشياء و تنوع التفاعلات التي تحدثها طبيعة المستويات الباطنية و مقاربتها بثنائيات ضدية و تماثلية و تشاكلية، من حيث العتبة أو النّص الموازي ٍ(LeParatexte) كما يسميها جيرار جينات في كتابيه sad.gifطروس) و(عتبات)،( ودراسة (العتبات SEUILS) لجيرار جنيت GERARD GENETTE أهم دراسة علمية ممنهجة في مقاربة العتبات بصفة عامة والعنوان بصفة خاصة؛ لأنها تسترشد بعلم السرد والمقاربة النصية في شكل أسئلة ومسائل، وتفرض عنده نوعا من التحليل)( (1إذ تقتضي القراءة الوقوف عند حدود الكلمات الموازية و كل ما يمكن أن يكون شكلا ذا دلالة نصّية و الاختيارات الأخرى التي تتمشى بالعملية سواء مشفرة أو محلولة، حرفا كان أو لونا أو شكلا، في واقع السرد مستويات النّص تتعالق جماليا من حيث البحث عن متلق لا يكتفي بلغة النّص بقدر ما ينتظر منه صدمات تزعزع الكامن و المسكوت عنه و المحكوم عليه بالصمت ،فبعض النّصوص السردية تحاول أن تفتك من المتلقي تفاعله مع الأشياء باتجاه مغامض ذاتية مركبة و تبحث عن السيطرة الفكرية و النفسية على المتلقي بأي شكل تمنحها فرصة بث الرسالة بثا قويا، كثير منها لصيق بالواقع الإنساني و إن كانت روابطها توظيفا مختلفا للرموز و الأيقونات و عيّنات لا تخلو من خرافة أو أسطورة،إنّ علاقة العتبة أو الهامش بفضاء الكتابة علاقة إبداعية ارتكازية تعتمد التساير وفق استراتيجية خطابية تحقق أكبر قدر من التوزيع فخطاب الغلاف من أهم عناصر النص الموازي التي تساعدنا على تناول النّص الأدبي بصفة عامة والروائي بصفة خاصة من حيث مستوى الدلالة والبناء والتشكيل والمقصدية. ولذا فإنّ عتبة الغلاف عتبة ضرورية تساعد على التعمق في مستويات النّص و استكناه ما تضمنه من أفكار و الوقوف على أبعاده الفنية والإيديولوجية والجمالية.((وهو أول ما يواجه القارئ قبل عملية القراءة والتلذذ بالنص، لأن الغلاف هو الذي يحيط بالنص الروائي، ويغلفه، ويحميه، ويوضح بؤره الدلالية من خلال عنوان خارجي مركزي أو عبر عناوين فرعية تترجم لنا أطروحة الرواية أو مقصديتها أو تيمتها الدلالية العامة.وغالبا، ما نجد على الغلاف الخارجي اسم الروائي، وعنوان روايته، وجنس الإبداع، وحيثيات الطبع والنشر علاوة على اللوحات التشكيلية، وكلمات الناشر أو المبدع أو الناقد تزكي العمل وتثمنه إيجابا وتقديما وترويجا.))(2) فخطاب العتبات للرواية المغاربية قد شهد اهتماما واسعا على يد نخبة من الروائيين المغاربة تنوعت استراتيجياتها و كثير منها اعتمد التصور النموذجي للمشروع السردي ضمن سلسلة من المنجزات التي لا تكتمل حدودها عند نص واحد و على سبيل المثال تشتغل روايات الدكتور واسيني الأعرج بمختلف عناوينها، خاصة تلك التي تتابعت في طََرق أخطر قضية عانى منها الإنسان الجزائري ، و ما تزال تشكل أكبر خطر عليه في ممارسة حياته ، و نموذج العتبات في رواياته يعتمد على الإنجاز التفكيري أكثر مما هو إنجاز رؤيوي، إذ (تنهض رواية واسيني الأعرج الأخيرة (شرفات بحر الشمال) فوق أرض غنائية مفعمة بالرثاء والنقد وفورانات الداخل. فمنذ الصفحة الأولى وحتى نقطة الختام الأخيرة لا تكف اللغة عن التدفق والاشتعال والترنح الوجداني. ولا يبذل القارئ تبعاً لذلك كبير جهد لكي يكتشف المساحة المتعاظمة التي تسرقها رواية الأعرج من الشعر وهي تتقدم إلى نهاياتها المأسوية وسط غابةٍ من الصور والاستعارات والرموز الكثيفة والدالة. قد تكون للوضع الجزائري المتفجر منذ عقد من الزمن علاقة وثيقة بسخونة الكتابة وتوتر الأسلوب واندفاعاته الحميميّة)(2) تعد كعنوان أو مفتاح بالنسبة للنّص مرتكزا أساسيا في ولوج عالم الرواية بكل تفاصيلها و مستوياتها و المهيمنات التي تشغل في تفردها معان تختلف عن معاني تجاورها، العنوان عتبة رئيسة في تشكيل حقل أو عدة حقول معجمية ضمن شبكة من العلاقات المتقاطعة بداية و نهاية، سيكون تناولنا لمستوياتها بدءا بالغلاف و تحديدا الصورة و الأجزاء و الروابط التي اختارها الكاتب في رسم حدود نصّه كاستراتيجية ثنائية بين مظهر الرواية في مستواها الخارجي الفني و الجمالي و مستواها الداخلي كخطاب له رسالة موجهة للمتلقي و هذه القراءة تبحث أيضا ، في بنية كل عنوان جزئي من عناوين الرواية الجزئية و استمرارها المتنوع، وعلاقتها بغيرها من العناوين، التي يحصل بها في النهاية على البنية الكاملة الكلية التي تقوم عليها الرواية .
مجمل الرواية 
تنمو الرواية ضمن وتيرة معقدة تنتهي إلى مرحلة مأساوية تعكس الوضع الجزائري المزري و الذي تفجر منذ عقد من الزمن انتهج فيه الكاتب أسلوب العرض السينمائي ،إذ تبدأ الرحلة عندما تقلع الطائرة بالبطل ياسين و تتداخل سيرة المكان مع الإنسان مشبعة بالآهات و المحن و الآلام النفسية و الأحلام، الرواية تنتظم كسيرة ذاتية وهنا (ليست حيزا فيزيائيا أو جغرافيا محايدا ، بل إنّها سلسلة دوالّ تحيل إلى مدلولات عديدة)((3 سيرة جماعية تحريص على السيطرة على الأمكنة و تسعى إلى مراودة مغاليق الأشياء, فبطل الروايةتمتزج لديه الأحلام مع الكوابيس وتتدفق الذكريات بشكل ملفت يجعل منه إنسانا متوترا يبحث عن أهداف متعددة و متشابكة مع العلاقات الفاعلة في حياته الماضية و تستمر معه في حاضره في منفاه، وتبرز شخصية فتنة و هي رمز ثنائي الحدود (كان اسمها فتنة)(4) 
(نهايات ديسمبر. منذ عشرين سنة بالضبط ، كانت هنا على حافة ….)
و هذا هو المفتاح التعبيري الذي سيؤسس لما يزيد على ثلاثمئة صفحة كاملة من التذكر والتداعي والحنين إلى عالم مختلف و ملتبس عالم الكاتب الجديد.
ياسين الإنسان الذي يمتطي صهوة الأحلام و يشدّ الرحال طويلاً تتقاسم رحلته محطات متعالقة للسيطرة على الأمكنة و تمتدّ (لتشمل إنتاج ذاكرة ثقافية حولها تُخلّد حضور الإنسان)(5) و لأنّه لم يعد قادراً العيش وسط عواصف و نسف للحياة و الحرية و السعادة و الأمان، ياسين الفنان أو النحات يفكر في رحلة إلى لوس أنجليس ليرسي قواعد جديدة لحياته مروراً بأمستردام و في هذه الأثناء تنقطع صلته بواقعه في الجزائر ليتوقع ما يمكن أن يكون مصدر سعادته ، تجذبه شرفات المدينة الجميلة و تشدّه المآسي التي تركها وراءه تتداعى لديه صور الأهل والأحبة والأصدقاء والموت تخطفهم من كل جهة، بأساليب وحشية مختلفة بين اغتيال و صدمة و فجيعة و و و… يموت غلام الله, عم ياسين, وابنته نوارة, وشقيقه عزيز وضياف …… و يموت والد نرجس, أو حنين, و يغتال رفيق دربه بوضياف, وميمون, شقيق فتنة, وزليخة, شقيقة ياسين. كلّ ذلك يعكس رحلة الموت و بشاعته في تصفيته للشخصيات النسائية أيضا التي أصبحت تعكس مأساة الجزائر الموزعة بين القبور والمنافي.
و تبقى فتنة فتنة إلى أن ت
المزيد


التالي